كيف حوّل فنان ستيني رصيف مترو بالقاهرة إلى معرض مفتوح للرسم مجانا؟

الساعة الثامنة صباحا، يصدح مذياع صغير بصوت أم كلثوم تغني "يا صباح الخير ياللي معانا"، فطور خفيف وكوب من الشاي، يتناوله الرجل الستيني وهو يتصفح الجريدة، في طقس يومي لم يتغير منذ أن تقاعد قبل سنوات، ثم يعيد ترتيب المنضدة ويحمل أوراقه وأقلامه وحقيبة بلاستيكية صفراء تحتضن أعز ما يملك، ثم يتجه نحو رصيف مترو المعادي، وفي ركن ظليل يستقر محمد مدبولي، ويبدأ في ممارسة هوايته التي لم تتغير منذ الطفولة..
"سأموت إذا لم أرسم".
بضع درجات في الثانوية العامة حرمت الطالب محمد مدبولي من تحقيق حلمه في الالتحاق بكلية الفنون الجميلة، رغم اجتيازه امتحانات القدرات، ليلتحق في مطلع ثمانينيات القرن الماضي بمعهد فني صناعي لعامين، ثم تخرج فيه والتحق بالعمل في التصميم الهندسي في القوات المسلحة بعد أداء الخدمة العسكرية، استمرت أقلام وأجندة الرسم رفقاء له منذ أن أخبره مدرس التربية الفنية ذات يوم بأن داخله فنانا ينافس الرسامين العالميين.
ولم ينافسهم مدبولي فقط في الموهبة، لكنه كذلك نافسهم في أقدارهم، فكما حُرم فان غوخ من الحب والزواج، عاش مدبولي حياته كلها يبحث عن الحب والزواج والحياة العائلية المستقرة في أحضان أطفال ينجبهم للعالم يورثهم موهبته وعشقه للرسم، لكن لم يمنحه الله هذه الأمنية، فصار يخرج كل يوم من بيته في ضاحية المعادي بالقاهرة، يبحث عمن يعلمه اليوم ويترك في حياته أثرا ملونا.
الخيال هو حيلة مدبولي في الرسم، لا يجلس على رصيف المترو يسجل وجوه المارين من حوله، أو الأشجار الثابتة، وعربات القطارات المتلاحقة، لكن صوت القطار والموسيقى المنبعثة من إذاعة المحطة تمنحه سكونا يجعله يستطيع أن يسترجع من ذاكرته عشرات الصور التي تستحق أن تخلد في ذاكرة دفاتر الرسم التي تحملها حقيبته البلاستيكية ذات…
المصدر: الجزيرة















